أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

294

العقد الفريد

عبد الملك والحجاج وابن عمر : إبراهيم بن مرزوق عن سعيد بن جويرية قال : لما كان عام الجماعة ، كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج : انظر ابن عمر فاقتد به وخذ عنه . يعني في المناسك ، قال : فلما كان عشية عرفة ، سار الحجاج بين يدي عبد اللّه ابن عمر وسالم ابنه ، فقال له سالم : إن أردت أن تصيب السّنة « 1 » اليوم فأوجز الخطبة وعجّل الصلاة . قال : فقطّب ونظر إلى عبد اللّه بن عمر ، فقال : صدقت . فلما كان عند الزوال مرّ عبد اللّه بن عمر بسرادقه وقال : الرواح « 2 » فما لبث أن خرج ورأسه يقطر كأنه قد اغتسل ، فلما أفاض « 3 » الناس رأيت الدم يتحدر من النجيبة « 4 » التي عليها ابن عمر ، فقلت : أبا عبد الرحمن ، عقرت النجيبة ! قال : أنا عقرت ليس النجيبة . وكان أصابه زج « 5 » رمح بين إصبعين من قدمه ، فلما صرنا بمكة دخل عليه الحجاج عائدا فقال : يا أبا عبد الرحمن ، لو علمت من أصابك لفعلت وفعلت ، قال له : أنت أصبتني . قال غفر اللّه لك ، لم تقول هذا ؟ قال : حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح ، وفي بلد لا يحمل فيه السلام . من أخبار الحجاج : أبو الحسن المدائني قال : أخبرني من دخل المسجد والحجاج على المنبر وقد ملأ صوته المسجد بأبيات سويد بن أبي كاهل اليشكري حيث يقول : ربّ من أنضجت غيظا صدره * قد تمنّى لي موتا لم يطع ساء ما ظنّوا وقد أبليتهم * عند غايات المدى كيف أقع « 6 »

--> ( 1 ) السنة : السيرة ، والعمل المحمود في الدين مما ليس فرضا ولا واجبا . ( 2 ) الرواح : الراحة : أو الوقت من زوال الشمس إلى الليل ، ويقابله الصباح . ( 3 ) أفاض الحجاج : انصرفوا إلى منى بعد انقضاء الموقف في عرفات . ( 4 ) يقال نجائب الإبل أي خيارها . ونجائب ، جمع نجيبه . ( 5 ) الزّج : الحديدة في أسفل الرمح . ( 6 ) أبليتهم : أي عرفوا مني واستيقنوا والمدى : الغاية .